السؤال
هل انخفاض تسرّب الموظفين علامة ولاء أم إنذار مبكر؟
كثير من الموظفين لا يبدون منخرطين فعلًا في العمل؛ يحضرون، ويؤدون المطلوب، لكن دون طاقة حقيقية.
وهنا يظهر سؤال مهم للقادة: هل انخفاض تسرّب الموظفين يعني أن الفريق مستقر وصحي؟ أم أنه يخفي احتفاظًا زائفًا؛ موظفون لا يريدون البقاء فعلًا، لكنهم لا يغادرون لأن السوق لا يساعدهم؟
هذا الموجز لا يتعامل مع «Job Hugging» كمصطلح جديد يحتاج إلى تضخيم، بل كاسم حديث لنمط أقدم: انخفاض الارتباط مع بقاء الموظفين في أماكنهم.
الأدلة
ما المقصود بـ «Job Hugging»؟ يشير المصطلح إلى موظفين يبقون في وظائفهم رغم ضعف ارتباطهم بالعمل. هم ليسوا بالضرورة راضين أو ملتزمين، لكنهم لا يغادرون أيضًا. قد يكون السبب خوفًا من السوق، أو قلة البدائل، أو ارتباطًا بالمكان يصعب كسره: علاقات، امتيازات، موقع، استقرار، أو تكلفة عالية للمغادرة. لذلك، فالمشكلة ليست في البقاء بحد ذاته. البقاء قد يكون علامة صحية عندما يكون مدفوعًا بالالتزام، لكنه يصبح إشارة مقلقة عندما يكون مدفوعًا بالخوف أو غياب البدائل. هنا لا نتحدث عن احتفاظ صحي، بل عن بقاء بلا ارتباط.
سبب البقاء ليس دائمًا سبب الانضمام. الموظف قد ينضم إلى الجهة بسبب الطموح، أو الفرصة، أو القناعة بالدور. لكنه قد يبقى لاحقًا لأسباب مختلفة تمامًا: الخوف من الانتقال، ضعف السوق، الالتزامات الشخصية، أو عدم وضوح البدائل. والأبحاث التي تدرس نمط «الحضور الجسدي مع الانسحاب الذهني» تشير إلى وجود نية مغادرة، لكن هذه النية لا تتحول دائمًا إلى استقالة. عندما يكون السوق صعبًا، تبقى النية داخل الموظف، وتظهر في شكل آخر: جهد أقل، مبادرة أقل، وانخفاض في السلوكيات الطوعية التي يحتاجها الفريق. بمعنى أبسط: قد يبقى الموظف، لكن مساهمته الحقيقية تتراجع.
انخفاض التسرّب إشارة غامضة. انخفاض تسرّب الموظفين لا يعني الولاء دائمًا. قد يعني فريقًا صحيًا، مستقرًا، مرتبطًا بعمله، ويثق بقيادته. وقد يعني أيضًا فريقًا منخفض الارتباط، لا يغادر فقط لأن الظروف لا تسمح. المشكلة أن الحالتين تبدوان متشابهتين في لوحة مؤشرات الموارد البشرية: رقم تسرّب منخفض، واستقرار ظاهري، واحتفاظ يبدو جيدًا على الورق. لكن السلوك مختلف تمامًا. في الحالة الأولى، يبقى الناس لأنهم يريدون البقاء. وفي الحالة الثانية، يبقون لأنهم لا يستطيعون المغادرة بعد. وهنا يبدأ الخطر: الاحتفاظ الزائف قد يضعف الحراك الداخلي، ويمنع دخول مواهب جديدة، وينشر الاستياء الصامت، ويؤجل موجة مغادرة قد تظهر فور تحسن السوق.
أين يختلف الرأي؟
الرأي الأول: المشكلة حقيقية، والانتظار مكلف.
يرى هذا الرأي أن لدينا موظفين خائفين وضعيفي الارتباط، يبقون في أماكنهم ويتراجع عطاؤهم بصمت، وأن على القيادة أن تتحرك الآن.
وهذا الرأي قوي في جوهره. فضعف الارتباط مرتفع فعلًا في معظم بيئات العمل، والاحتفاظ الزائف خطر حقيقي لا مجرد تسمية جديدة.
لكنه يضعف في موضعين. الأول أن يُعامل النمط كأنه ظاهرة جديدة تمامًا، وهو في حقيقته ضعف ارتباط قديم التقى بسوق عمل متعثر، ثم حصل على اسم جديد. والثاني أن يُستخدم المصطلح للضغط على من بقي، أو للتشكيك في نوايا موظفين لا يفعلون شيئًا سوى الاستمرار في عملهم.
الرأي الثاني: انخفاض التسرّب مكسب، فلا تصنعوا مشكلة من العدم.
يرى هذا الرأي أن الاحتفاظ تحسّن، وأن هذا إنجاز يستحق التقدير، لا حالة مرضية تبحث عن تشخيص.
وهذا الرأي مفهوم أيضًا. فانخفاض التسرّب قد يعكس فريقًا صحيًا فعلًا، وليس كل من بقي منسحبًا ذهنيًا.
لكنه يضعف حين يُقرأ الرقم المنخفض على أنه ولاء، دون التحقق من الارتباط. فبهذه الطريقة تمر الإشارة دون أن يلاحظها أحد، حتى تتحول إلى موجة مغادرة جماعية عند أول تحسن في السوق.
الخلاف الحقيقي: ليس بين «حقيقي» و«مبالغ فيه». الخلاف أن انخفاض التسرّب يحمل معنيين متعاكسين: احتفاظ قائم على الالتزام، واحتفاظ قائم على الخوف. والقائد الذي لا يميّز بينهما سيقع في أحد خطأين: إما أن يفزع من استقرار صحي، أو أن يحتفل بفريق لم يبقَ منه سوى الحضور.
رأي بيوبلنس (Peoplense)
انخفاض تسرّب الموظفين ليس خبرًا جيدًا دائمًا. قد يكون دليلًا على فريق مستقر ومرتبط، وقد يكون مجرد احتفاظ زائف يخفي انسحابًا ذهنيًا وموجة مغادرة مؤجلة.
لذلك، لا تقرأ رقم التسرّب وحده. اقرأه مع الارتباط، ونية المغادرة، والحراك الداخلي، وجودة الإدارة.
الاحتفاظ الحقيقي لا يعني أن يبقى الناس فقط، بل أن يبقوا وهم راغبون في المساهمة، قادرون على النمو، وواضح أمامهم طريق يستحق البقاء. القادة الذين يكتفون برقم تسرّب منخفض قد يكتشفون المشكلة متأخرًا. أما القادة الذين يسألون: «لماذا بقي الناس؟» فهم أقرب إلى معرفة ما إذا كان لديهم ولاء حقيقي، أم احتفاظ مؤقت ينتظر تحسن السوق.
ماذا تفعل اليوم؟
لا تتعامل مع انخفاض الاستقالات على أنه ولاء تلقائي. وفي الوقت نفسه، لا تتجاهل الظاهرة باعتبارها مجرد مصطلح إعلامي جديد. الأفضل هو قراءة الرقم بجانب مؤشرات أخرى: الارتباط، ونية المغادرة، والحراك الداخلي، وجودة الإدارة.
- قِس الارتباط، لا التسرّب فقط. لا تكتفِ برقم الاحتفاظ أو انخفاض الاستقالات. أضف إليه أسئلة بسيطة ومباشرة، مثل: «هل ستغادر لو كان الأمر أسهل؟» فإذا كان التسرّب منخفضًا والارتباط منخفضًا أيضًا، فأنت لا تنظر إلى ولاء حقيقي، بل غالبًا إلى احتفاظ زائف.
- تحدث مع من بقوا بصمت. لا تنتظر مقابلة الخروج لتفهم المشكلة. تحدث مع الموظفين الذين بقوا لكن مؤشرات ارتباطهم منخفضة، واسألهم عن ثلاثة أمور: جودة الإدارة، ووضوح المسار، ومعنى العمل بالنسبة لهم. هذه الحوارات تكشف ما إذا كان الناس باقين لأنهم مقتنعون، أم لأنهم فقط ينتظرون فرصة أفضل.
- افتح مسارات الحراك الداخلي. إذا لم يجد الموظف فرصة للنمو داخل الجهة، فقد يبقى في الدور نفسه دون حماس، ومع الوقت لا يتضرر هو فقط بل يتضرر الفريق أيضًا. الحراك الداخلي الواضح يقلل من بقاء الموظف في وظيفة لا يريدها فقط لأنه يخاف من مغادرتها. المسار الداخلي ليس ميزة إضافية؛ هو أحد أهم أدوات الاحتفاظ الصحي.
- لا تحتفل بانخفاض الاستقالات وحده. إعلان انخفاض التسرّب كإنجاز دون قراءة الارتباط قد يرسل رسالة خاطئة: أن الهدف هو بقاء الناس في أماكنهم، لا نموهم أو ارتباطهم الحقيقي. احتفل بالاستقرار عندما يكون مصحوبًا بارتباط، وتقدم، وحراك داخلي، وأداء جيد. أما انخفاض التسرّب وحده، فهو رقم يحتاج إلى تفسير، لا إلى احتفال سريع.
- استعد لانفراج السوق. افترض أن جزءًا من احتفاظك الحالي مدفوع بظروف السوق، لا بالولاء. حدد الآن الموظفين الذين قد يغادرون فور تحسن الفرص الخارجية، وأعد استقطابهم داخليًا قبل أن تتحول نية المغادرة إلى استقالة فعلية. السؤال ليس: من بقي؟ بل: من بقي لأنه يريد البقاء، ومن بقي لأنه لا يستطيع المغادرة بعد؟
الأهمية في الخليج
الأمان الوظيفي مُقدَّر في الخليج أكثر من معظم الأسواق — تضع استبيانات موظفي الخليج الأمان الوظيفي باستمرار في مقدمة الأولويات، وقبل الأجر لدى كثيرين. وفي منطقة يُعدّ فيها البقاء هو الخيار الافتراضي أصلًا، فإن دورة توظيف حذرة تجعل «الاحتفاظ الزائف» أقوى حضورًا هنا منه في الأسواق الغربية الأكثر حراكًا.
اقرأ النقاط التالية بوصفها فرضيات مستنيرة، لا نتائج إقليمية. لا توجد — بحسب علمنا — أبحاث خليجية محددة حول هذه الظاهرة بعد؛ وهذه النقاط تطبّق الأدلة العامة على سياق المنطقة:
- الاحتفاظ الزائف قد يختبئ على مرأى من الجميع. حيث يكون انخفاض التسرّب هو الوضع الطبيعي أصلًا، يحصل القائد على إشارة أضعف من رقم الاستقالات — فيصبح قياس الارتباط مباشرةً أكثر أهمية، لا أقل.
- التوطين يرفع المخاطر. في ظل السعودة والتوطين، تبذل الجهات جهدًا كبيرًا للاحتفاظ بالكوادر الوطنية — لكن الاحتفاظ المدفوع بالخوف لا بالالتزام يقوّض هدف التطوير الذي تقوم عليه السياسة.
- ثقافة الحضور قد تخفيها. في بيئات ترتفع فيها توقعات الحضور، يكون الموظف المتشبّث بوظيفته حاضرًا جسديًا ويبدو بخير — ما يجعل انخفاض الارتباط أصعب اكتشافًا.
حدود هذا التحليل: أولوية الأمان الوظيفي مستمدة من استبيانات أصحاب العمل في المنطقة؛ وما بعدها استنتاج سياقي. وسنستبدل هذه الفرضيات بالأدلة كلما ظهرت أبحاث خليجية محددة.
المصادر
مصادر المكتبة (مفتوحة الترخيص، متاحة في مكتبة بيبولنس):
- Patel et al. (2025), A multidimensional quiet quitting scale: Development and test of a measure of quiet quitting, PLoS One (CC BY) — اقرأ في المكتبة · الأصل. حدٌّ أدنى سلوكي مقترن بالرضا عن المساهمة القليلة؛ يتنبأ بانخفاض سلوك المواطنة التنظيمية وارتفاع نية المغادرة — نمط «الحاضر جسديًا، المنسحب ذهنيًا».
- Organizational culture and the individuals' discretionary behaviors at work, Frontiers (CC BY) — اقرأ في المكتبة · الأصل. كيف تشكّل الثقافة الجهد الاختياري الذي يبذله الموظفون أو يمنعونه — الجانب المنسحب من البقاء بلا التزام.
- Luo & Zhao (2026), Beyond job satisfaction: a job embeddedness-based mediation model to explain turnover intention in Chinese social workers, Frontiers in Psychology (CC BY) — اقرأ في المكتبة · الأصل. كان ارتباط الموظف بالعمل والجهة أقوى عامل مفسِّر لنية المغادرة — الآلية التي تُبقي الموظف منخفض الارتباط في مكانه.
مصادر للاستشهاد فقط (مذكورة ومرتبطة، غير مُعاد نشرها):
- Culture Amp — Job hugging: why employees are clinging to their jobs — اقرأ في المكتبة · الأصل. التعليق المؤسسي الذي سمّى الظاهرة (معتمد، ذو صلة). للاستشهاد فقط — محتوى مؤسسة تجارية، لتأصيل المصطلح فقط، لا دليلًا أساسيًا.
- The HR Director — UK financial year end exposes rise in "false retention" as "job hugging" — اقرأ في المكتبة · الأصل. تأطير «الاحتفاظ الزائف»: أرقام الاحتفاظ ترتفع بينما الالتزام الحقيقي لا. للاستشهاد فقط (خبر).
- Gallup — State of the Global Workplace — خط الأساس لانخفاض الارتباط (غالبية «غير مرتبطين» عالميًا؛ الشرق الأوسط وشمال أفريقيا دون المتوسط العالمي للارتباط). للاستشهاد فقط — شروط غالوب تمنع إعادة النشر؛ الإحالة المرتبطة كافية.
قراءات إضافية من مكتبتنا:
- هل يمكن الوثوق بنتائج استبيانات ارتباط الموظفين في الخليج؟ — لماذا يجب قراءة مؤشرات الارتباط والاحتفاظ بحذر في الخليج، حيث كثيرًا ما تكون إجابات الاستبيانات والمقابلات مبالَغًا فيها خوفًا من العواقب.
احصل على موجز الإثنين
ملخّص أسبوعي للأبحاث المعتمدة في تطوير الأفراد — مجاني، بلا إعلانات، كل مقال موصول بمصدره.
نستخدم بريدك لإرسال الإيجاز فقط. ألغِ الاشتراك متى شئت.
هل تريد المشاركة في فريق التحرير؟
نبني هذا ببطء، مع ممارسي تنمية وتطوير الأفراد في المنطقة. إن كنت مهتمًا بمساعدتنا في تشكيل ما يُنشَر، تواصل معنا.
أخبرنا عن نفسك