هل يحتاج نموذج تطوير القيادات إلى إعادة بناء؟ وما الذي يجعله فعّالًا؟
السؤال
هل يحتاج نموذج تطوير القيادات إلى إعادة بناء؟ وما الذي يجعله فعّالًا؟
تنفق الشركات أكثر من 14 مليار دولار سنويًا على تطوير القيادات، ومع ذلك لا تزال الفجوات التي يفترض أن تسدّها هذه البرامج تتسع. فالمدراء في الإدارة الوسطى يتعثرون قبل الوصول إلى الأدوار القيادية العليا، وقاعدة المرشحين للتعاقب القيادي تبقى محدودة، وكثير من البرامج لا يستطيع أن يثبت أن قائدًا واحدًا أصبح يقود بطريقة مختلفة بعد عام من مشاركته.
ومع ذلك، لا يمكن القول إن مجال تطوير القيادات انتهى أو فقد قيمته. فبعض الجهات تحقق عوائد حقيقية ومتكررة من هذه البرامج، في حين تلجأ جهات أخرى إلى تقليص ميزانياتها.
لذلك، لم يعد سؤال 2026 يدور حول أهمية تطوير القيادات، بل حول سؤالين أكثر دقة: هل المشكلة في تطوير القيادات ذاته، أم في طريقة تصميمه وتنفيذه؟ وإذا كان ينجح في بعض الجهات، فما الذي يميّز التطوير الفعّال عن البرامج المكلفة التي لا يظهر أثرها في السلوك القيادي والقرارات اليومية؟
الأدلة
خمسة مؤشرات رئيسية تساعد قادة الموارد البشرية على تقييم القرار:
1. صناعة بقيمة 14 مليار دولار لا تزال عاجزة عن سد الفجوات. يرى جوش بيرسين (Josh Bersin) أن تطوير القيادات «يبدو معطّلًا»، لأن فجوات مسار إعداد القيادات لا تزال مستمرة رغم حجم الإنفاق الكبير. ويتركز نقده على البرامج المتقطعة والدورات المنفصلة عن واقع العمل اليومي.
2. نقطة التعثر تظهر غالبًا في منتصف المسار القيادي. تحدد منصة تنفيذي الموارد البشرية (HR Executive)، استنادًا إلى أبحاث مركز الإنتاجية والجودة الأمريكي (APQC)، أن الإخفاق يظهر بوضوح عند انتقال المدراء من الإدارة الوسطى إلى الأدوار القيادية العليا. وهذه المرحلة تحديدًا هي التي تكشف ما إذا كانت الجهة تبني قادتها فعلًا، أم تكتفي بتدوير الأسماء داخل النظام.
3. عقد من البيانات يوضح ما الذي ينجح فعلًا. تشير مجلة التدريب (Training Magazine)، بناءً على استطلاع شمل أكثر من 9,000 ممارس، إلى أن البرامج التي تغيّر السلوك تجمع بين التقنية المتقدمة والتفاعل الإنساني المباشر. أي أن التطوير الفعّال لا يعتمد على المحتوى وحده، بل على ممارسة مدمجة في العمل، وتوجيه بشري مستمر، ومتابعة تقيس تغير السلوك.
4. صرامة الاختيار تتفوق على الانطباعات الشخصية. التقييمات السلوكية المثبتة الصلاحية تتفوق على تصنيف «ذوي الإمكانات العالية» بناءً على الانطباع أو الحدس. فالاعتماد على رأي المدير وحده قد يخلط بين الإمكانات الحقيقية، والقرب الشخصي، والظهور، والقدرة على تسويق الذات.
5. توجد نماذج عملية ناجحة. تصف بروكتر آند غامبل (Procter & Gamble) بناء القادة باعتباره ممارسة مؤسسية مقصودة ومنضبطة، لا نشاطًا تدريبيًا عابرًا. وهذا يؤكد أن المشكلة ليست في فكرة تطوير القيادات نفسها، بل في طريقة تصميمها وتنفيذها وربطها بالعمل الفعلي.
أين يقع الاختلاف؟
لا تتفق المصادر على تشخيص المشكلة بالطريقة نفسها.
الرأي الأول: النموذج الحالي لا يحقق الأثر المتوقع. يرى جوش بيرسين (Josh Bersin) أن إنفاق 14 مليار دولار سنويًا مع استمرار فجوات القيادة دليل على خلل واضح. وتضيف منصة تنفيذي الموارد البشرية (HR Executive) أن مسار إعداد القيادات يتعثر غالبًا عند مستوى الإدارة الوسطى، تحديدًا قبل الانتقال إلى الأدوار العليا.
الرأي الثاني: النموذج ينجح عندما يُبنى بطريقة مختلفة. ترى مجلة التدريب (Training Magazine) وبروكتر آند غامبل (Procter & Gamble) أن الفرق بين التطوير الفعّال والبرامج محدودة الأثر يكمن في التصميم. فالبرامج المؤثرة تجمع بين التقنية والتفاعل الإنساني، وتستخدم اختيارات أكثر موضوعية، وتجعل بناء القادة ممارسة مستمرة لا فعالية موسمية.
لذلك، لا يدور الخلاف الحقيقي حول سؤال: هل نستثمر في تطوير القيادات أم لا؟ بل حول ثلاثة أسئلة أدق:
- هل تطوير القيادات لدينا مجرد فعاليات ودورات، أم منظومة متكاملة؟
- هل الإنفاق موجّه إلى نقطة التعثر الحقيقية في مسار القيادة؟
- هل نستطيع تسمية قائد واحد تغيّر سلوكه القيادي بوضوح بسبب البرنامج؟
رأي بيوبلنس (Peoplense)
ما الذي يُنصح به؟ أعد بناء تطوير القيادات كمنظومة، لا كبرنامج تدريبي منفصل. اربط التطوير بالعمل الفعلي، واجمع بين التقنية المتقدمة والتفاعل الإنساني المباشر، واستخدم تقييمات سلوكية مثبتة الصلاحية، ووجّه الإنفاق إلى نقطة التعثر الأهم: الانتقال من الإدارة الوسطى إلى القيادة العليا.
ما الذي ينبغي تجنبه؟ لا توقف الاستثمار بالكامل، ولا تستمر في تمويل دورات متقطعة لا تستطيع إثبات أي تغير في السلوك. عبارة «نفذنا البرنامج» لا تعني «بنينا قادة».
ما الذي يستوجب الحذر؟ احذر من البرامج الخارجية ذات الاسم اللامع التي تحقق رضا مرتفعًا في نهاية الورشة، لكنها لا تحرك مسار إعداد القيادات فعليًا. السمعة ليست دليلًا. ورضا المشاركين ليس كافيًا. الدليل الحقيقي هو: هل تغيّر السلوك؟ وهل أصبحت الجهة أكثر قدرة على إعداد قيادات جاهزة للأدوار الأعلى؟
ما توصيتنا لما تعمله اليوم؟
1. حدّد نقطة التعثر في مسار إعداد القيادات. راجع ترقيات آخر عامين إلى الأدوار القيادية العليا. اسأل: من أين جاءت الترقيات؟ وأين تضعف قاعدة المرشحين؟ هل المشكلة في إعداد المدراء في الإدارة الوسطى؟ أم في ضعف التقييم؟ أم في غياب فرص التعرض والخبرة؟
2. دقّق في طريقة اختيار ذوي الإمكانات العالية. هل يتم اختيارهم بناءً على تقييمات سلوكية مثبتة الصلاحية؟ أم بناءً على انطباع المدير وحدسه؟ إذا كان الاختيار يعتمد على الحدس فقط، فأنت لا تبني مسارًا قياديًا موثوقًا، بل تعيد إنتاج تحيزات النظام نفسه.
3. اطلب قصة تغير سلوك واحدة لكل برنامج. لكل برنامج تطوير قيادي، اسأل: هل نستطيع تحديد قائد واحد تغيّر سلوكه بشكل واضح بعد البرنامج؟ إذا لم تستطع الإجابة، فأعد توجيه الميزانية إلى تطوير مدمج في العمل، مثل المشاريع القيادية، والتوجيه، والتعرض المنظم، والممارسة المدعومة بتغذية راجعة.
السياق الخليجي
السياق الخليجي يجعل فجوة القيادات أكثر وضوحًا. تسارع التحول في سوق العمل، وتوسع التوطين، وارتفاع الحاجة إلى قيادات وطنية قادرة على إدارة التعقيد، كلها عوامل تجعل تطوير القيادات قضية عملية لا تدريبية فقط. فالمشكلة لا تُحل ببرنامج مرموق أو شهادة إضافية، بل بمنظومة تجهّز القيادات للانتقال من الإدارة الوسطى إلى الأدوار الأعلى بثقة وكفاءة.
انحياز البرامج ذات الاسم اللامع قد يكون أعلى في المنطقة. في بعض بيئات الخليج، قد يكون من السهل تبرير برنامج خارجي فاخر أو شراكة مع اسم عالمي، لكنه قد يكون أصعب في القياس. الاسم القوي يساعد في التسويق الداخلي، لكنه لا يثبت أن القادة تغيّروا أو أن مسار التعاقب أصبح أقوى.
الاختيار الموضوعي المقاوم للتحيز يحمي قصة التوطين. عندما يتم تصنيف «ذوي الإمكانات العالية» بالحدس فقط، خصوصًا في بيئات قد تؤثر فيها العلاقات الشخصية، فإن خطة التعاقب قد تبدأ في عكس العلاقات بدلًا من الجدارة. لذلك، فإن استخدام تقييمات سلوكية واضحة ومثبتة الصلاحية لا يحسّن دقة الاختيار فقط، بل يحمي عدالة مسار القيادات الوطنية.
الخلاصة في السياق الخليجي: تطوير القيادات لا ينبغي أن يكون مجرد برنامج مرموق أو شهادة باسم كبير. يجب أن يكون منظومة تبني قادة قادرين على الانتقال من الإدارة الوسطى إلى القيادة العليا، وتربط الاختيار بالجدارة، والتطوير بالممارسة، والنتائج بتغير السلوك.
المصادر
تفتح كل مقالات المكتبة أدناه في قارئنا الإداري مع شريط عقد الملخص التحريري — ملخصنا النصي على Peoplense، مع النص الكامل وصوت الكاتب والأشكال لدى الناشر الأصلي.
- لماذا يبدو تطوير القيادات معطّلاً — وكيف نُصلحه — جوش بيرسين (Josh Bersin) (سوق بـ14 مليار دولار، وفجوات مستمرة في مسار الإعداد، ونقد النموذج المتقطع)
- مشكلة مسار إعداد القيادات الخفية: لماذا يتوقف مديرو الإدارة الوسطى عن التقدّم؟ — تنفيذي الموارد البشرية (HR Executive) (أبحاث مركز الإنتاجية والجودة الأمريكي (APQC)؛ نقطة التعثر من الوسط إلى العليا)
- التقنية المتقدمة + التفاعل الإنساني المباشر = قادة فعّالون — مجلة التدريب (Training Magazine) (استبيان تطوير القيادات الممتد عشر سنوات مع ويلسون ليرننغ (Wilson Learning))
- خمس طرق تُحسّن بها التقييمات الموضوعية للمواهب القيادةَ وتخطيط التعاقب — مجلة التدريب (Training Magazine) (التقييمات السلوكية المثبتة الصلاحية مقابل تصنيف الكفاءات بالحدس)
- فنّ القيادة: ثلاثة أسرار من بروكتر آند غامبل لتطوير الناس — بروكتر آند غامبل (Procter & Gamble) (ممارسة مؤسسية ناجحة لبناء القادة)
احصل على إيجاز الإثنين
ملخّص أسبوعي للأبحاث المعتمدة في تطوير الأفراد — مجاني، بلا إعلانات، كل مقال موصول بمصدره.
نستخدم بريدك لإرسال الإيجاز فقط. ألغِ الاشتراك متى شئت.
هل تريد المشاركة في فريق التحرير؟
نبني هذا ببطء، مع ممارسي تنمية وتطوير الأفراد في المنطقة. إن كنت مهتمًا بمساعدتنا في تشكيل ما يُنشَر، تواصل معنا.
أخبرنا عن نفسك