السؤال
الشركة تخسر… فلماذا لا تزال القيادات تحصل على مكافآت؟
عندما تتراجع النتائج، وتُراجع الميزانيات، وتُؤجل الزيادات أو التوظيف، ثم تُدفع مكافآت القيادات العليا، فإن الرسالة التي تصل للموظفين لا تكون مالية فقط.
إنها رسالة عن العدالة.
هل ترتبط مكافآت القمة بالواقع الذي تعيشه الجهة، أم تبدو منفصلة عنه؟
هذا هو السؤال الحقيقي؛ لأن مكافأة سنة الخسارة قد تكون مبررة تعاقديًا أو استراتيجيًا، لكنها لا تفسر نفسها. وإذا لم تُشرح بوضوح، فلن تُقرأ كقرار احتفاظ أو حوكمة، بل كإشارة إلى أن نتائج الجهة لا تُوزع بالطريقة نفسها على الجميع.
بالنسبة لقادة الموارد البشرية والإدارة، السؤال ليس فقط: لماذا حصلت القيادات على مكافآت في سنة صعبة؟
السؤال الأهم هو: ماذا يفعل هذا القرار بالثقة، والجهد، والاحتفاظ بالمواهب، عندما يراه بقية الموظفين؟
الأدلة
أولًا: مكافآت القمة ليست دائمًا مرتبطة بنتائج السنة كما يتصور الموظفون.
في ذهن كثير من الموظفين، تبدو المعادلة بسيطة:
إذا تحسنت النتائج، تُدفع المكافآت.
وإذا تراجعت النتائج، يجب أن تتراجع المكافآت معها.
لكن أنظمة مكافآت القيادات غالبًا أكثر تعقيدًا من ذلك. فقد تدخل فيها عوامل مثل:
- تقدير مجلس الإدارة.
- عقود قائمة أو التزامات سابقة.
- الخوف من فقدان قيادي مهم في فترة حساسة.
- أداء نسبي مقارنة بالسوق أو المنافسين.
- مؤشرات غير مالية، مثل السلامة، أو التحول، أو إنجاز مراحل استراتيجية.
- ممارسات تراكمت مع الوقت حتى أصبحت تُعامل كأنها استحقاق متوقع.
لذلك، قد تظهر مكافأة في سنة خسارة ليس لأنها مخالفة أو احتيال، بل لأن نظام المكافآت صُمم أصلًا بطريقة تسمح بذلك.
لكن هذه النقطة لا تكفي.
الموظفون لا يقرأون المكافأة من داخل عقد التنفيذي، ولا من محضر لجنة الترشيحات والمكافآت. يقرأونها من موقعهم هم: هل ارتفعت مكافآت القمة وانخفضت مع ما عاشه الناس فعليًا؟
إذا لم يكن الرابط واضحًا، تتحول المكافأة من قرار تعويضات إلى حكم على العدالة.
ثانيًا: العدالة ليست شعورًا ناعمًا… إنها محرك للسلوك.
عندما يرى الموظفون أن القيادات حصلت على مكافآت بينما تم تجميد الزيادات، أو خفض الحوافز، أو تقليص الفرق، فإن الرسالة التي تصلهم لا تكون مالية فقط.
إنها رسالة عن توزيع العبء.
هل كانت السنة الصعبة تجربة مشتركة؟
أم أن أثرها وصل إلى مستويات معينة أكثر من غيرها؟
هنا تظهر خطورة العدالة التوزيعية: هل يشعر الناس أن المكافآت، والفرص، والتضحيات، ونتائج السنة الصعبة وُزعت بطريقة يمكن الدفاع عنها؟
عندما تكون الإجابة لا، يبدأ الأثر في الظهور بصمت:
ثقة أقل.
جهد طوعي أقل.
استعداد أقل للتعاون.
وقابلية أعلى للمغادرة عندما تتحسن الفرص.
وهذا ما يجعل القضية عملية جدًا. ليست "هل انزعج الموظفون؟" بل: هل ما زالوا يعتقدون أن النظام منصف بما يكفي ليبذلوا له أفضل ما لديهم؟
ثالثًا: فجوة المكافآت قد تتحول إلى تكلفة أداء.
ليست كل فجوة في الأجور أو المكافآت مشكلة بحد ذاتها. الجهات تحتاج إلى جذب قيادات قادرة، والاحتفاظ بالكفاءات التنفيذية له تكلفة.
لكن الفجوة تصبح خطرة عندما تبدو منفصلة عن النتائج المشتركة.
حين يشعر الموظفون أن من في القمة معزولون عن أثر التراجع، بينما يُطلب من بقية الجهة التحمل، لا تتضرر الصورة فقط. يتضرر التنسيق، والمبادرة، والاستعداد لبذل جهد إضافي.
الفجوة هنا لا تخلق غضبًا فقط.
قد تخلق انسحابًا هادئًا.
والمشكلة في الانسحاب الهادئ أنه لا يظهر فورًا في القوائم المالية. يظهر لاحقًا في جودة التنفيذ، وفي بطء القرارات، وفي فقدان أفضل المواهب عند أول فرصة مناسبة.
أين يختلف الرأي؟
هناك رأي يقول: إذا خسرت الشركة أو خفضت الوظائف، فلا ينبغي أن يحصل أي شخص في القمة على مكافأة.
هذا الرأي مفهوم. فهو يعكس حدسًا عادلًا: لا يمكن أن تكون السنة صعبة على الجميع، ومجزية للبعض.
لكنه ليس دائمًا كافيًا كقاعدة مطلقة. فقد تكون بعض المكافآت مرتبطة بعقود قائمة، أو خطر احتفاظ حقيقي، أو أداء نسبي أفضل من السوق، أو إنجازات استراتيجية لا تظهر مباشرة في صافي الربح.
في المقابل، هناك رأي آخر يقول: هذه قرارات مجلس الإدارة، ولا يحتاج الموظفون إلى معرفة تفاصيلها.
وهذا رأي أخطر.
لأن الصمت لا يلغي الأسئلة. بل يتركها تكبر. والموظفون سيملؤون الفراغ بقصة منطقية من وجهة نظرهم، وغالبًا ستكون القصة الأكثر قسوة على الثقة.
الحل ليس منع كل مكافأة في سنة صعبة.
وليس الدفاع عنها بالصمت.
الحل هو أن تكون المكافأة قابلة للتفسير، ومتصلة بنتائج يمكن الدفاع عنها، ومصحوبة بإشارة واضحة أن القيادة لم تكن خارج أثر السنة الصعبة.
حكم Peoplense
مكافآت القيادات في سنة الخسارة ليست بالضرورة خطأ. لكنها اختبار صعب للعدالة المؤسسية.
إذا كانت المكافأة مكافأة احتفاظ، فسمّها كذلك.
إذا كانت مرتبطة بأداء نسبي، فاشرح هذا الأداء.
إذا كانت تعاقدية، فكن واضحًا بشأن حدود القرار.
وإذا كانت السنة صعبة على الموظفين، فيجب أن يظهر أن القيادة شاركت في تحمل جزء من أثرها.
ما لا يصلح هو تقديم مكافأة في سنة خسارة كأنها "مكافأة أداء" دون أن يرى الموظفون الأداء الذي يبررها.
لأن المشكلة ليست في الدفع وحده.
المشكلة في الرسالة التي يرسلها الدفع.
ماذا تفعل اليوم؟
-
افصل بين مكافأة الأداء ومكافأة الاحتفاظ. إذا كان الهدف هو الاحتفاظ بقيادي مهم خلال أزمة، فلا تقدم القرار كأنه مكافأة أداء. التسمية ليست تفصيلًا لغويًا. هي جزء من الثقة. مكافأة احتفاظ قد تكون مفهومة. مكافأة أداء في سنة خسارة، بلا تفسير واضح، يصعب الدفاع عنها أمام الموظفين.
-
اربط جزءًا واضحًا من مكافآت القمة بنتائج مشتركة. حتى لو كان الجزء رمزيًا، يجب أن يرى الموظفون أن مكافآت القيادات لا تعيش في نظام منفصل. عندما تتحسن النتائج، قد ترتفع المكافآت. وعندما تتراجع النتائج، يجب أن يظهر أثر ذلك في القمة أيضًا. الإشارة هنا أهم من الرقم نفسه. الموظفون يريدون أن يعرفوا أن القيادة تشاركهم الواقع، لا أنها محمية منه.
-
اشرح القرار قبل أن يكتبه الناس بطريقتهم. أي مكافأة حساسة ستُفسَّر، سواء شرحتها الجهة أم لا. والسؤال هو: هل ستقود الجهة التفسير؟ أم ستتركه للمحادثات الجانبية؟ الشرح الجيد لا يحتاج إلى دفاع طويل. يحتاج إلى وضوح:
- ما طبيعة المكافأة؟
- لماذا دُفعت؟
- ما النتائج التي ارتبطت بها؟
- ما الذي تحملته القيادة في المقابل؟
- وكيف يخدم ذلك مصلحة الجهة والموظفين على المدى الأبعد؟
الوضوح لا يجعل القرار محبوبًا دائمًا، لكنه يجعله أقل ضررًا على الثقة.
-
راقب الفجوة الداخلية، لا مبلغ المكافأة فقط. ليست المشكلة في حجم المكافأة وحده، بل في اتجاه الفجوة. راقب كيف تتحرك مكافآت القيادات مقارنة بوسيط مكافآت الموظفين، خصوصًا في سنوات التراجع. إذا اتسعت الفجوة في سنة سيئة، فهذه ليست ملاحظة تعويضات فقط. إنها إشارة مبكرة لمخاطر في الثقة، والارتباط، والاحتفاظ بالمواهب.
-
جهّز المديرين قبل أن يصل السؤال إليهم. السؤال لن يصل دائمًا إلى مجلس الإدارة. سيصل أولًا إلى المدير المباشر: كيف يكون هذا عادلًا؟ لا تترك المديرين يواجهون هذا السؤال دون رسالة واضحة. أعطهم التفسير الحقيقي، والحدود التي يمكنهم الحديث ضمنها، وما يجب تصعيده. إذا لم يستطع المدير شرح القرار، فلن يستطيع حماية الثقة التي تضررت بسببه.
الأهمية في الخليج
في الخليج، تصبح هذه القضية أكثر حساسية لثلاثة أسباب.
أولًا، لأن كثيرًا من الجهات تمر بتحولات كبرى: إعادة هيكلة، توسع، دمج، كفاءة إنفاق، أو انتقال إلى نماذج تشغيل جديدة. وفي مثل هذه البيئات، قد ترى المجالس أن الاحتفاظ بقيادات معينة ضرورة استراتيجية.
ثانيًا، لأن سوق القيادات والكفاءات الوطنية والتنفيذية شديد التنافس. وقد تكون بعض مكافآت القمة مدفوعة بخطر فقدان أشخاص ترى الجهة أنهم مهمون لاستقرار المرحلة.
ثالثًا، لأن ثقافات العمل في المنطقة تقرأ إشارات العدالة بسرعة. الناس لا ينظرون إلى المكافأة كرقم فقط، بل كدليل على من تقدّره الجهة، ومن تطلب منه التحمل، ومن تراه جزءًا من النجاح أو الخسارة.
لذلك، لا يكفي أن تكون المكافأة قانونية أو تعاقدية. يجب أن تكون قابلة للتفسير اجتماعيًا وتنظيميًا.
الجهات الخليجية تحتاج إلى انضباط أوضح في ثلاث نقاط:
- تسمية المكافأة بدقة: أداء، احتفاظ، عقد، أو إنجاز استراتيجي.
- إظهار أن القيادة شاركت في تحمل أثر السنة الصعبة.
- مراقبة أثر فجوة المكافآت على الثقة والاحتفاظ، لا الاكتفاء بالتحقق من الالتزام التعاقدي.
الهدف ليس منع كل مكافأة في سنة صعبة.
الهدف أن لا تبدو المكافأة وكأنها منفصلة عن واقع الناس.
الخلاصة
مكافآت القيادات في سنة الخسارة قد تكون قابلة للتبرير على الورق. لكنها لا تبرر نفسها داخل الجهة.
الموظفون لا يرون البنود التعاقدية أولًا.
يرون الرسالة.
إذا كانت الرسالة أن السنة صعبة على الجميع، لكن المكافآت محمية للبعض، فالثقة ستتراجع. وإذا اتسعت الفجوة دون تفسير، فقد يتحول القرار من بند في التعويضات إلى خطر على الجهد والاحتفاظ والالتزام.
القيادة الناضجة لا تخفي هذه القرارات، ولا تجمّلها. تسميها بدقة، تربطها بما يمكن الدفاع عنه، وتوضح كيف شاركت القمة في تحمل أثر السنة الصعبة.
فالعدالة هنا ليست مسألة انطباع.
إنها جزء من قدرة الجهة على الاحتفاظ بالناس، وحماية الثقة، واستمرار الأداء عندما تصبح النتائج تحت الضغط.
المصادر
مصادر المكتبة (مرخّصة CC BY، متوفرة في مكتبة بيبولنس):
- Jo, Shin et al. (2025)، The impact of recognition, fairness, and leadership on employee outcomes: A large-scale multi-group analysis، PLOS One (CC BY) — في المكتبة · الأصل. الإنصاف/العدالة المُدرَكة في ممارسات العمل ترفع الارتباط الوظيفي بدلالة إحصائية — الناس يبذلون أكثر حين يرون الصفقة عادلة.
- Cho, Jo, Bui et al. (2026)، How organizational justice reduces turnover intention... the mediating roles of organizational conflict and job satisfaction، Frontiers in Psychology (CC BY) — في المكتبة · الأصل. العدالة التوزيعية (عدالة النتائج) هي أقوى أبعاد العدالة في خفض نية المغادرة — وهي البعد نفسه الذي تخرقه مكافأة سنة الخسارة.
- Bucciol, Foss & Piovesan (2014)، Pay Dispersion and Performance in Teams، PLOS One (CC BY) — في المكتبة · الأصل. بين المساهمين الفاعلين، ارتبط اتساع تفاوت الأجور بأداء أقل — الفجوات الواسعة لها تكلفة قابلة للقياس.
نتائج مُستشهد بها وقراءات إضافية (مذكورة وموصولة، غير منشورة):
- Harvard Business Review — Stop Paying Executives for Performance — المقال. يرى أن ارتباط أجور التنفيذيين بالأداء أضعف مما يُفترض، وأن الجهات كثيرًا ما تغيّر المؤشرات التي تُفعّل المكافأة. للاستشهاد فقط (شروط الناشر — مذكور وموصول، غير مُقتبَس).
- SHRM — Not an Entitlement: Keep Bonuses Performance-Based — المقال. يشير إلى بيانات ممارسين (Towers Watson) بأن نسبة معتبرة من الشركات تدفع الحوافز حتى لمن لا يحققون التوقعات، بدافع العادة والولاء والخوف من فقدان الكفاءات. للاستشهاد فقط.
احصل على موجز الإثنين
ملخّص أسبوعي للأبحاث المعتمدة في تطوير الأفراد — مجاني، بلا إعلانات، كل مقال موصول بمصدره.
نستخدم بريدك لإرسال الإيجاز فقط. ألغِ الاشتراك متى شئت.
هل تريد المشاركة في فريق التحرير؟
نبني هذا ببطء، مع ممارسي تنمية وتطوير الأفراد في المنطقة. إن كنت مهتمًا بمساعدتنا في تشكيل ما يُنشَر، تواصل معنا.
أخبرنا عن نفسك